إشراقة

 

كلُّ كاتب قد يجوز أن يكون كاتبين أو أكثر

 

 

 

  

 

  

 

 

       هل تُصَدِّق أن كاتبًا واحدًا يكون كاتبين يختلف أحدُهما عن الآخر اختلافَ السماء والأرض؟ صَدِّق أو لاتُصَدِّق؛ ولكنَّ ذلك يَحْدُث . وقد جَرَّبْتُ ذلك. الكاتبُ الواحدُ قد يكون مشمولاً بروح الإخلاص، والتَّأَلُّم لحالة الأمة، ولوعةِ الأسى من أجل تقلّب الباطل في البلاد، وانحسارِ الحق عنها في الظاهر؛ فيكتب بمداد الروح، ودم القلب، وحبر الإخلاص، ودموع الابتهال، وعبرات الحرارة الإيمانية؛ فما يكتبه لايكون كلماتٍ مُكَوَّنَةً من الحروف المرئية وحدَها، وإنما يكون شِحَنَات فكريّة عجيبه تَبُوحُ بها الروحُ الساميةُ المُحَلِّقَةُ في سماء الإيمان، والسابحةُ في بحر العقيدة الصادقة الذي لايعرف ساحلاً .

       وقد يكون مُجَرَّدًا من هذه الكيفية المباركة والعاطفة السعيدة؛ فيكون ما يكتبه مُجرَّدًا من كل لون وزينة، يبدو كأنه جَسَدٌ بلا روح، وجُثَّةٌ لا حِرَاكَ بها؛ فلا يسترعي انتباهَ القارئ، ولايستقْطب التفاتَ مَعْنِيٍّ بالكلمة أو القرطاس والقلم؛ لأنّ الحروف والكلمات إذا كانت «حيّةً» مُتَمَتِّعَةً بالروح؛ فهيّ تَجْذِبُ القراءَ بجمالها ونشاطها وحركتها، وإن كانت «مَيِّتَةً» بمعنى أنها ركامٌ من الألفاظ، ومجموعةٌ من الحروف التي تَفَنَّنَ في رصفها الكاتبُ الذي أَتْقَنَ حِرْفَةَ تصفيفِ الحروف، وضمّ الكلمة إلى كلمة، وصياغة العبارة، ونسج الخيال، وإبداع الفكرة، فإنها لاتدعو قارئًا، ولا تَهُزُّ أو تارَ قلبِ من يحرص على جسِّ عروق النصّ؛ ليعرف ما إذا كانت تَنْبُضُ؛ لأن النصّ له نبضاتٌ كنبضات القلب، وله روحٌ كروح الجسم، وله حياةٌ كحياة الإنسان .

       إذا كانت عبارةٌ ما أو قطعةٌ من النصّ تَشُدُّ القارئَ وتأخذ بحجز قلبه ، ولا تَدَعُه ينسحب منها إلاّ بعد إنهاء قراءتها ، وينتهي من قراءتها فيشعر بما يشعر به من تَناوَلَ أشهى الأطعمة ، وألذّ الحلاوى، وأَهْنَأَ الأكلات ؛ فهي حَيَّةٌ . وإن لم تكن كذلك فهي مَيِّتَةٌ .

        وهي تكسب حياتَها من إخلاص الكاتب، وتجرّده من كل غرض من أغراض الدنيا الكثيرة المُتَنَوِّعـــة التي لاتُحْصَىٰ . فــإذا شَابَها الأغراضُ من الحرص على السمعة، وكسب الجاه أو المال، أو تضخيم الشخصية، وتفخيم المكانة، أو فرض الذات، أو الانتقاص مــن بَرِيْءٍ، أو اغتياب أحد، أو إشباع هِـــوَايــة الكتـــابة، أو احترافها، أو إزجاء الـوقت، ومـا إلى ذلك من الأغراض التي لاتقبل الحصرَ؛ فإنها تأتي ميّتةً؛ فهي لاتقدر على جذب قارئٍ، وإن تَنَـــاوَلَها ليقـــرأ، يشعـر بما يشعر به من يُصَاحِبُ مَيِّتًا، أو يشعر به من يَتَنَـــاوَلُ طعامًا فاســـدًا أو – على الأقل – طعامًا لا ملحَ فيه أو كان طَابـِخُه أَخْرَقَ لم يتعلم فَنَّ إعداد الأطعمة .

       والإخلاصُ أو التجردُ من الأغراض، شيءٌ يكسبه المرأ من التدين الصادق، والحبّ الصحيح لله، والإنابة إليه، وإفراده بالعبادة والعبوديّة، والخضوع له في جميع الأوامر والنواهي، وبالتالي يكسبه بالوعي الديني، والشعور الإيماني، وكيفية الإيثار، ولذة احتساب الأجر على الله، وانقطاع الرجاء من غيره، ثم التألّم للآخرين، والعيش لخدمة الإنسانية، والحزن من حزن الآخرين، والحرص على اقتسام إخوانه بني البشر الآلامَ وليس الأحلامَ وحدها .

       وهذه المعاني يكسبها المرأ من صحبة الحامل لها والمُتَّصف بها، ومُلازمته طويلاً؛ لأن الدين إنما يَسْهُلُ ويَصِحُّ تَعَلُّمُه من الصلحاء المتدينين المُتَوَرِّعِين المُطَّرِحين على عَتَبَةِ الرحمن، ويَصْعُبُ تَعَلُّمُه من مجرد الكتب التي تُعَلِّمُ الدين؛ ومِنْ هنا أُرْسِلَ الرُّسُلُ، وبُعِثَ الأنبياءُ؛ فَتَخَرَّجَ في صحبتهم أصحابٌ نَقَلُوا الدينَ إلى من بعدهم من الأجيال، ولَمْ يَكْتَفِ الله بإنزال كُتُبٍ وَصَحَائِفَ، وتكليفِ عباده تَلَقِّيَ الدين منها وحدَها مباشرة. ولو شاء لصنع ذلك؛ ولكنه لم يشأه؛ لأنه كان طريقًا صعبًا لتلقي الدين، واللهُ لايريد العسر، وإنما يريد اليسر لعباده .

*  *  *

       على كل فعندما يَتَكَهْرَبُ الكاتب بَكَهْرَبَاءِ الإيمان الفاعل الصانع للمعجزات، ويَتَكَيَّفُ بمعانيه العظيمة الجليلة، من الإخلاص والاحتساب، والصبر والصدق، واليقين والتوكل، والمراقبة والاستقامة، والمبادرة إلى فعل الخيرات، والمسارعة إلى ترك المنكرات واجتباب السيئات، والتذاذ لوعة الأسى للآخرين، واشتهاء التألّم لحال الأمة، والحرص على خدمة الآخرين حرصًا لايعرف نهايةً ولا ينتهي إلى غاية، والرغبة في إصلاح المجتمع البشري وإسعاده وإعادته إلى ما ينبغي أن يكون عليه حسب المقياس النبوي، والمعيار الإلهي.. عندما يَتَكَهْرَبُ بها، ويَتَكَيَّفُ معها، يأتي ما يكتبه «مفتاحًا ذكيًّا» لكل خير و«حالقًا ذكيًّا» لكل شرّ؛ ويأتي مُتَضَوِّعًا بريَّا الصفاء والنزاهة، والإيثار والتجرد من جميع الشوائب؛ فينجذب إليه القارئ انجذابَ القطع الحديدية إلى المغناطيس، ويقرؤه فيشعر كأن كل رانٍ من المادّيّة، والسلبية والنفعيّة، والمصلحيّة والانتهازيّة، وحبّ الدنيا وكراهية الموت، قد زال عنه؛ وكلَّ غاشية من السكينة والطمأنينة، واللذة الإيمانية، والكيفية الروحانية، والشفّافيّة الملكوتية، قد غَشِيَتْهُ وأحاطت به؛ فهو غيرُ ما كان قبل أن يقرأه، وهو يختلف عن جميع الناس الذين لم يقرؤوه بعدُ .

       وهذه الكيفية الإيمانية قد تَثْبُتُ في الكاتب، كما يمكن أن تثبت في جميع قطاعات الناس من الخطيب والمدرس، والداعي والناصح، والواعظ والمصلح، والزعيم والقائد، والحاكم والمحكوم، والتاجر والفلاّح، والشرطي والجندي، والموظّف والمدير، والسائق والطيّار، والسياسي والدبلوماسي، والطبيب والأستاذ، والمهندس والمُصَمّم، وما إلى ذلك من مجالات الحياة التي يعمل فيها الإنسان بشكل من الأشكال .

       وقد لا تَثْبُتُ فيه – الكاتب – أو في غيره، وإنما تُلِمُّ به إلمامَ نَفْحَةِ الريح ودَفْعَةِ المطر، فالكاتبُ لدى تمتعه بها يكون غير ما يكون عندما تنفضّ عنه. إنه عندما يكون مشمولاً بها تصدر عن قلمه كتاباتٌ تَتَلأْلأُ بهاءً، وتَسْتَضِيْءُ سَنًا وسَنَاءً، وتتجمل برداء الزينة؛ فتكون حلوةً كالعسل، ولذيذة كالقنديد؛ ولكنه عندما يتجرد منها يكون ما يكتبه صورةً لا مَسَّةَ عليها من الحقيقة؛ فيكون كتمثال لاروح فيـــه ولاحـرارة، ولايقدر على فعل أو نشاط، فضلاً عن أن يستيطع زرعَ خير أو دفعَ شرّ.

*  *  *

       وجدتُ عددًا من الكُتَّاب – الذين عَايَشْتُهُم وشَارَكْتُهُمْ في بعض دروب الحياة – أن أقلامهم حَرَّرَتْ نوعين من النصوص؛ فهم في بعض الفترات كتبوا ما يُسْعِدُ القارئَ، ويُجَدِّدُ إيمانَهم ويُحَرِّكُ عقيدتَهم ويَصْقُلُ كلَّ ما عندهم من أرصدة الدين ورأس مال اليقين. وهم بعضَ الأحيان كتبوا ما ليس من هذا النوع، وإنما هو «كتابات عاديّة» لاتمتاز عن غيرها من كتابات عامة الكُتّاب إلاّ بأنها هي بأقلامهم، وهم يَتَّسِمُون بكونهم «كتابًا إسلاميين». ولكنك إذا تجردت عن ملاحظة المكانة الإسلامية في شأنهم رأيتَ كتاباتهم هذه – المكتوبة لدى تجرّدهم من النفحات الإيمانية والشآبيب الروحانية – لاتختلف عن غيرها من كتابات عامّة من يُمَارِسُونَ مهنة جرّ القلم على القرطاس .

       وذلك إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على أنّ حرارة الإيمان، وعاطفة العقيدة، قيمةٌ كبيرةٌ في حياة الكاتب؛ فإن سَيْطَرَتْ عليه وتَحكَّمَتْ فيه، وتَمَكَّنَتْ منه، صَدَرَتْ عن قلمه عباراتٌ تُضِيْءُ كالقنديل في صحراءِ الحياةِ المُظْلِمَةِ التي لايجد فيها الساري ليلاً قبسةً من ضوء. وهذه القيمةُ تجعل كتاباته رفيعة المستوى، جميلة الديباجة، تشمخ بين الكتابات العاديّة شموخَ الجبال في السهول، وتكون كالغانية تستغني عن جميع أنواع الحليّ والأسوار؛ لأنها بطبيعة جمالها الفاتن الأصيل لاتحتاج إلى شيء من وسائل التجميل أو مُسْتَحْضَرَاته .

       كلما قرأتُ أمثالَ هؤلاء الكُتَّاب السُّعَدَاء، زِدْتُ سرورًا ونورًا، وتَمَتَّعْتُ باللَّذَّة العجيبة التي لا أقدر على وصفها بدقة، مهما أوتِيتُ قدرةَ الجاحظ البيانية، ذلك الكاتب العربيّ الذي لم يُدَانِه كاتبٌ عَرَبـِيٌّ منذ عصره لحد اليوم حسب إجماع كُتَّاب العربية على ذلك .

       وهؤلاء الكتاب لايَسْعَدُونَ هم ولكن يَسْعَدُ بهم القراءُ كلما قرأوا . ولا يُثَابُون فقط على كتاباتهم المُوقِدَةِ لمجامر القلوب؛ ولكنهم يَدَّخِرُونَ ثوابَ كل قارئ يقرؤهم؛ فيدعولهم من أعماق قلبه، لقاءَ ذلك العَسَل الإيماني الذي وَجَدَه لدى قراءته لهم؛ فهذه الأدعيةُ الكثيرةُ تُسَبِّبُ لهم أجرًا وذخرًا مُضَافَيْنِ إلى الأجر الذي لَقُوْهُ لقاءَ كتاباتهم المغمورة بالنور، المغسولة بالإيمان .

*  *  *

       فًصَحَّ ما ابتدأتُ به هذا المقالَ الخفيفَ من أن كاتبًا واحدًا قد يكون كاتبين مختلفين . أحيانًا يكون كاتبًا مؤمنًا مخلصًا مُجَدِّدًا لإيمان عدد لايُعَدُّ من القراء. وأحيانًا يكون كاتبًا عاديًّا لايَمَسُّ الجذورَ وإنما يُلاَمِسُ السطحَ، ولا يؤدّي دورًا في إحقاق الحق أو إبطال الباطل، وإنما قد يكون أنه يخلط بين الحق والباطل، ولا يزيل شرًّا، ولايثبت خيرًا، ولايغيّر ما حلّ بالمجتمع من فساد وفتنة . وإنما يكون ما يكتبه نصًّا من النصوص الكثيرة التي كَتَبَها ويكتبها كثير من الكتاب والمؤلفين ليزيدوا ركامًا آخر إلى ركامات الكتب والكتابات والمؤلفات التي سال بها اليوم العالم كلّه، بجراء أمثال هذه الكتابات التي أقلُّ ما يمكن أن يقال فيها : إنها لاتنفع .

       الكتابات الصادرة عن العقيدة يحتضنها الكاتب، وعن الرسالة يحملها الأديب، وعن الدعوة يحملها حَامِلُ القلم هي التي يجوز أن تُسَمَّى «كتابات» . أما غيرُها فهي «خرابات» أو «فسادات» أو «فتن» أو «جنون» والجنونُ فنونٌ، كما يقول الكتاب والمؤلفون .

       لو أنّ الكاتب أَدْرَكَ قيمةَ نفسه، واحْتَرَمَ قلَمه الذي يحمله، لما خَطَّ حرفًا بدون هدف، فضلاً عن أن يكتب ما يُفْسِد ويفتن، ويدعو للمجون والاستهتار، وخَلْعِ العِذَار.

       اللّهُمَّ أَلْهِمْنَا الرشدَ وجَنِّبْنَا العوجَ، وأَرِنَا الحقَّ حقًّا و وفِّقْنَا لاِتِّبَاعِه، وأَرِنَا البَاطِلَ بَاطِلاً ووَفِّقْنَا لاجتنابه .

 

( تحريرًا في الساعة 5 من مساء يوم السبت: 19/7/1428هـ = 4/8/2007م ) .

أبو أسامة نور

*  *  *

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، الهند . رمضان – شوال 1428هـ = سبتمبر – نوفمبر 2007م ، العـدد : 9–10 ، السنـة : 31.